يوبيل الرهبانيَّة، إحدى الضرورات الأولى والأساسيّة
اليوبيلُ المئويُّ الثالث للرهبانيَّة اللبنانيَّة المارونيَّة، هو إحدى الضرورات الأولى والأساسيّة. فثلاثمائة سنة، عمرٌ لا يستهان به في حياة المجتمعات البشريّة. إنّه ضرورةٌ أولى وأساسيّة، لأنّه ينفض ما عَلِقَ على وجه الرهبانيَّة من غبار الأيّام، ويُطلقها بدفعٍ جديد.
إنّه إحدى الضرورات الأولى والأساسيّة، لأنّه يُشير إلى اهتمام أهل البيت ببيتهم، إذ يُدركون فعلَ مرّش الزمن وتأثيرَه في المؤسّسات البشريّة، وانحرافَه بها على الصعيد الموهبيّ واندفاع البدايات.
يوبيل الرهبانيَّة محطّة في الزمن
يختبر الإنسان في أعماقه أنّ الوقت يتخطّاه في مسيرته، ويجري دون إرادته. فالزمنُ، الذي يمضي، يبدو كأنّه يسلب الإنسان وجوده وحياته... كما لو كان يقوده نحو الموت. لذا، كان لا بُدّ من أن يخلق الإنسان مثل هذه المحطّات، لا ليمنع مسيرةَ الزمن أو يوقفها، بل ليلتقطَ أنفاسه، ليملأَ وجوده ويعيشه بكثافة.
يوبيل الرهبانيَّة، مفترقٌ في تاريخها
إنّه مفترقٌ صعبٌ وخطير، إنّه الحدثُ المِفصلُ في تاريخ الرهبانيَّة، حيث عليها أن تكونَ عيناً على الماضي، وأخرى على المستقبل، مروراً بالواقعِ الراهن. من المطلوبِ أن تجنِّد الرهبانيَّة كُلَّ قواها وطاقاتِها لتُحسِنَ قراءةَ الماضي بوقائعِه وشخصيّاته. وعليها، انطلاقاً من مدرسة الماضي، وعلى ضوءِ وعيٍ موضوعيّ لحقيقتها الذاتيّة في الواقع الراهن، التوجُّه برؤى مستنيرةٍ نحو إرساءِ قواعدَ مستقبليةٍ مُلهمة. فإذا أردنا الاستمراريّة، فالاستمراريّةُ والحركةُ التصاعديّة، وكذلك الثوابتُ الرهبانيَّة، لا تتوافر في تفاؤلٍ ساذج ولا في تمويهٍ أو مساوَمات... بل بقراءةٍ للوقائع موضوعيّةٍ ومنزَّهةٍ، ماضيةً كانت أم حاضرةً، ومن ثمَّ العبورُ على ضوء نتائج هذه القرائة إلى شطٍّ جديد. إنّه اختبارُ العبورِ الدائمِ من الموت إلى الحياة.
يوبيل الرهبانيَّة مفترقٌ صعبٌ وخطير على صعيد الرؤى والخيارات. لذا، بات لزاماً على الرهبانيَّة في يوبيلها، ومن باب الجدِّية القصوى والمسؤوليّة المصيريّة، أن تصلّي... أن تدخل في خلوةٍ روحيةٍ طويلة... فيكون يوبيلها المئويّ الثالث، في زمنها ومسيرتها الوجوديّة، آنَ عنصرةٍ دائمة.
يوبيل الرهبانيَّة عمليّة بحثٍ عن الذات الشخصيّة والجماعيّة
يوبيل الرهبانيَّة إنّما هو عمليّةُ تحسُّسٍ شامل، بل قلقٍ صحّي، يضع كلاًّمنّا إزاءَ حقيقته الذاتيةِ والجماعيّة، يردُّه إلى حبِّه الأوّل، يوقظ فيه الشرارةَ الأولى ويُحيي الإلهامَ الأوّل الذي حداه على اعتناقِ الحياةِ الرهبانيَّة. إنّه يضع كُلاًّ منا وجهاً لوجهٍ مع الضروريِّ الأوحد في حياتِه، المسيح الربّ الذي فيه يكمن المدار الوجوديُّ الشخصيّ والجماعيّ، والذي فيه وحدَه تجد السيرةُ الرهبانيَّةُ مسوِّغَ وجودِها ؛ ومن دونِه، تصبح جبانةً أمام مسؤوليات الحياة وهروباً منها.
يوبيل الرهبانيَّة هو عمليّة وعيٍ تدعو إليه الرهبانيَّةُ نفسها بغيةَ تشخيصِ ما شاخ فيها، أو هَرِمَ وأُهمِلَ... ومن ثمَّ يفرض المعالجة على أنواعها. ممّا يجعل هذا الشخص ظاهرة حياةٍ وتعبيراً لعمقِ تَوقِ الإنسان الدائم إلى الأفضل: ففي الجمود موتٌ بدون قيامة.
هذا المناخ من البحث والتفتيش، إنّما هو مسارُ مَن يشقُّ سبيله نحو الغد، لا بحرارةٍ، ولا بتصلُّب! بل بمرونةِ التائب الذي يعرف خطأه ويُقرُّ به، ويسعى بتواضعٍ إلى ترميم ما قد هدّمته السنون؛ لا من منطلقِ اعتمادِه على قواه الشخصيّة، بل بطواعيّة المستلهِمِ ديناميّةَ الروحِ العاملِ أبداً في كونِ الإنسان ووجودِه، روح الحياةِ وفاعلِ كُلِّ تجدُّد.
يوبيل الرهبانيَّة دعوة ملحّة إلى التجديد
إنّه دعوةٌ إلى شجاعةِ البدءِ من جديد، إلى صيرورةٍ مستمرّة، انطلاقاً من نقدٍ ذاتيّ واعٍ ومسؤول، ينفي الإطمئنانَ والإكتفاءَ الذاتيّ. الرهبانيَّةُ مدعوّةٌ بأبنائها كافةً إلى أن تولدَ بتطلعاتٍ جديدة، بيوبيلِها وكلَّ يومٍ، بمعنى أنّ تاريخَها يسبقها، يُسطَّر ويُبنى أمامها: فهو صيرورةٌ تشدُّها وتسعى بها إلى الهدفِ المرسومِ لمشروعها الحياتيّ. عندها، يتكوّن عمرُها الرهبانيّ بجوابها المطلق والأبديّ في الزمن: "آمين" للّهِ يوميٌّ، يميِّز حياتها ومسيرتَها، ويجعل منها شهادةً في دنيا البشرِ لحقيقةٍ ليستْ من دنيا البشر، وسرّاً لها، تجسِّدها الرهبانيَّةُ بكيانِها وكينونتها، إذ هي ساعيةٌ إليها.
وعيُ الرهبانيَّةِ حقيقتَها الذاتيّة
الرهبانيَّةُ اللبنانيَّةُ المارونيَّةُ أصالةٌ إنجيليّة
تعرِّف قوانينُنا بالرهبانيَّةِ، فتقول : "الرهبانيَّةُ اللبنانيَّةُ المارونيَّةُ هي طريقٌ من طُرقِ الحياةِ الرهبانيَّةِ الأصيلة" . ولمّا كانتِ "الحياةُ الرهبانيَّةُ طريقاً نسلكها بهبةٍ من اللهِ خاصّةٍ لنحقِّق الدعوةَ المسيحيّةَ على وجهٍ أكمل" ، فلقد أمستِ الرهبانيَّةُ اللبنانيَّةُ المارونيَّةُ إحدى طُرُقِ الحياة الرهبانيَّةِ المتنوّعة، أو موهبةً خاصة، لعيشِ الدعوة المسيحيّة وتحقيقها في جذريّتها الإنجيليّة.
هذا يعني أنّ هناك ديناميّةً واحدة، تصبو إلى هدفٍ واحدٍ وتسعى باتّجاهٍ واحد: بلوغ الكمال الإنجيليّ الذي ينبغي أن يصل إليه كُلُّ معتمدٍ بالكيانِ الجديد الذي لبسه من المعموديّة. إنّما كان على المسيحيّ الراهب، وقد استولى عليه الروح القدس، أن يسعى دونَ هوادةٍ، من أجل أن يحقّق في ذاته عملَ الروح. فهو أبداً في حالةِ مسيرةٍ دائمة، في وضع الباحثِ عن اكتمالِ عمل المسيح فيه، عن طريق الخيار الجذريّ والصعب. وهكذا، يبدو من الواضحِ أنّ الحياة الرهبانيَّةَ تنبع من الإنجيل، من منطلقِ دعوةٍ إلى عيشٍ جذريّ، يقتضيه الإيمانُ بالمسيح الفادي والمخلِّص واتِّباعُه.
هكذا، فالراهب اللبناني، كَكُلِّ راهبٍ، "هو المسيحيّ الذي يسعى، بهبةٍ من الروح القدس، إلى العيشِ في روحِ الإنجيل، فيبلغ ملءَ قامة المسيح بالكيان الجديد الذي ناله من سرِّ العماد" . والرهبانيَّةُ اللبنانيَّةُ المارونيَّة طريقٌ من طُرقِ الحياةِ الرهبانيَّةِ الأصيلة، تنبع من الإنجيل، تتجذَّر فيه؛ فهي إذاً أصالةٌ إنجيليّة.
التقليد الرهبانيُّ المارونيّ السريانيّ الانطاكيّ
تضيفُ قوانينُنا في تعريفها بالرهبانيَّةِ، فتقول: "تسير وفقَ التقليدِ الرهبانيّ في روح الكنيسة المارونيّة السريانيّة الإنطاكيّة". ينبثق هذا الروح عن فهمٍ، في العمقِ، لحدثِ يسوعَ الناصري: فَهمٍ يقوم على الإيمانِ بسرِّ التجسُّد وعلى تفعيلِ هذا الإيمان، الذي بات يفرض نوعيّةَ حياةٍ تتبع حياةَ ابن الله التي عاشها على أرضنا بالجسد الذي أخذه من مريمَ البتول القدّيسة. هذه النوعيّة من الحياة، إنّما هي الاتّزانُ بين التفرُّغِ للصلاة والانعطاء إلى الجموع.
تأخذ الصلاةُ في حياةِ يسوعَ المكانَ الأوّل: فهي المنطلقُ لعملِه ونشاطِه، تسبق أيَّ عملٍ آخر وتتقدَّمُه. غالباً ما كان يسوعُ يعتزل الجموعَ إلى "مكانٍ قفر" ليصلّي (راجع مر 1/35؛ لو 4/42؛ لو 6/12-13). فالقفرُ هو، من ناحيةٍ، مكانُ الهدوءِ والسكينةِ، وحيث يتحقّقُ الإنصرافُ الكامل التامّ والكلِّيُّ إلى الله؛ وهو، من ناحيةٍ أُخرى، عمليّةٌ داخليّةٌ تتم في صومعةِ القلب، وتقوم، قبل كُلِّ شيءٍ، على جمعِ الذات من شتاتها وإشاعةِ الهدوءِ والسكينةِ فيها. يعتزل المصلّي الضوضاءَ والضجّة، كما يعمل على الحدِّ من اضطرابِ الأفكار، وعلى إشاعةِ سلامٍ داخليّ ليتمكّن من الصلاة: هذه هي العلاقةُ الاتحاديّةُ بالله.
لم يكن يسوع بحاجةٍ إلى الصلاة؛ فلقد كان له، في حياته على الأرض، وجدانٌ دائم لعلاقته بالآب وحضورِ الآب فيه. إنّها علاقةُ وحدةٍ، فهو والآب واحد؛ إنّها علاقة بنوَّةٍ، علاقةٌ متبادلةٌ بين الآب والإبن بالمحبّة؛ إنّها علاقةٌ على مستوى الطبيعة، فالإبنُ مساوٍ للآب في الجوهر. على الرغم من هذا، كان يسوع ينصرف إلى "الصلاة"، في "القفر" أو على "الجبل"، لأنّ لحظاتِ صلاتِه كان يعيشها لحظاتٍ مميّزةً لعلاقتِه بالآب؛ كان ينصرف إلى الصلاة، ليعلِّمَنا الصلاة، وأنَّ هذه إنّما هي، في جوهرِها، وجدانٌ لعلاقةِ الإنسانِ باللهِ وللعيشِ في قلبِه.
يسوعُ المصلّي والمعتزل في القفر، هو نفسه الرسول إلى المجتمع البشريّ، وهو نفسه مخلِّصُه. (راجع مر 1/38-39؛ لو 4/43-44؛ لو 6/17-19).
يلاحَظ إذاً، أنّه في حياةِ يسوع الخلاصيّة على أرضنا، كانت الصلاةُ والعزلةُ تسبقان دوماً عملَه الرسولي التبشيريّ، كانتا تسبقان عمله الخلاصي بالأشفيةِ التي كان يُجريها، وكانتا تهيِّئان لاختلاطِه بالجموع. كان يعي عملَه التبشيريّ كهدفٍ جاء من أجلِه أرضَ الإنسان، وكفعلِ طاعةٍ لأبيه السماويِّ الذي أرسله، أيّ تعبيراً عن اتّحادِه بالآب، بالمحبّةِ والطاعة: وهكذا عاش وعلّم أنّ العمل الرسوليَّ يَرِدّ إلى حياةٍ اتّحاديّةٍ باللهِ الآب وإلى تجذُّرٍ فيها.
انطلاقاً من شخصيةِ يسوعَ ونوعيّة حياتِه التي عاشها على أرضِنا بالجسد، وعى التقليدُ المارونيّ السريانيّ الانطاكيّ سرَّ التجسّد، وعبَّرَ عنه في نوعيّةِ حياةٍ لا مجال للفصلِ فيها بين العمل الرسوليَّ والخلوة في صلاةٍ اتّحاديّةٍ بالله. فالصلاةُ الإتحاديّةُ بالله تكوِّن القاعدةَ، المنطلقَ، الديناميّةَ والمرجعيّةَ بالنسبةِ إلى العملِ الرسوليّ، ويأتي العمل الرسوليَّ تعبيراًَ منطقياً وعفويّاً للصلاة الإتحاديّة بالله.
الرهبانيَّةُ اللبنانيَّةُ المارونيَّةُ في روحِ التقليد المارونيّ السريانيّ الانطاكيّ
أخذاً بهذا الروح، "تقف رهبانيتنا نفسها على خدمةِ الله والقريب بالصلاة وأعمال الرسالة، ساعيةً إلى الجمع بين الحياة الرسوليّة وصلاةِ الفرض الجماعيّة والممارسات النسكيّة" . من هذا المنطلق، ترتبط الرهبانيَّةُ بالتقليد الرهبانيّ السريانيّ الانطاكيّ، وتكوّن وجهاً مميّزاً لنوعيّة حياةِ الربِّ على أرضنا. وتالياً، فهي تنخرط في خطِّ اتّباع المسيح، وهي تواصليّةٌ له وِفقَ روحِ الكنيسةِ المارونيّة. العيشُ بهذا الروح إنّما هو سعيُها الدائم؛ فهو سعيٌ، لأنّه ليس من السهل التوفيقُ بين اتّجاهين يَظهران كأنّهما لا يلتقيان. هذا الروح إنّما هو ميزتها المميّزة، ودأبها المحافظةُ عليه، إذ يعود على الكنيسة بالخير الأعظم: فالصلاةُ وأفعال العبادة والنسك، يُغني الكنيسة بالقدّيسين؛ وهؤلاءِ ما كانوا يوماً لذواتهم، بل جسّدوا روحَهم النسكيّة في خدمة القريبِ وتلبية حاجاتِه.
عاشتِ الرهبانيَّةُ اللبنانيَّةُ المارونيَّةُ هذا الروح وجسّدته في "قَفر" الحياة الديريّة. فهذه الأخيرة تكوّن " الجوّ الملائم الذي يتمرّس فيه الراهب مع إخوته بخدمةِ الله وأعمال العبادة والنسك" . فالحياة الديريّةُ تقوم بأن يلازم الراهبُ الديرَ، وألاّ يخرجَ منه إلاّ لضرورةٍ ماسّةٍ أو لخدمة. هذا ممّا يفترض عند الراهب حبَّ الإقامةِ في الدير، وأن يجد فيه راحتَه وألاّ يستسلمَ لروحِ السأمِ والضجر، أو روحِ الكآبة، من جرّاء ملازمتِه الديرَ، ممّا يفقده الشعور بمعنى حياتِه، فيعيش فراغاً هائلاً. الحياةُ الديريّةُ تعني أيضاً أن يجد الراهب فرحَه بالعيشِ إلى جانبِ إخوةٍ تشدّهُ إليهم أواصرُ المحبّةِ، وتجمعه بهم غايةٌ واحدةٌ وهدفٌ مشتركٌ، فيكوّنون عائلةً ديريّةً، أو جماعةً إفخارستيّة. هكذا تصبح الحياةُ الديريّةُ جوّاً ملائماً، بل مناخاً سليماً للتمرُّسِ بخدمة اللهِ وأعمالِ النسكِ والعبادة.
تكوّن الحياة الديريّةُ أيضاً " الإطار المناسب الذي يتيح للراهب اكتساب روحٍ رسوليّ أصيل" . فالعمل الرسوليُّ لا ينفصل عن حياةِ الصلاةِ والنسك. فهذه هي له بمنزلةِ الينبوعِ والغذاء. فالروحُ الرسوليُّ الأصيل يرتكز على حياةٍ عميقةٍ في المسيح، هو الذي، إذا ما وجده الراهبُ وتعرّف إليه، عرف كيف يتوجّه إلى إخوتِه البشر. الحياةُ الديريّةُ هي الإطار المناسب لاكتسابِ روحٍ رسوليّ، كونها تمرُّساً في الحياةِ مع آخرين؛ تمرّساً في محبّتهم ومشاركتهم، على الرغم من الفوارق وفرادةِ الطبع البشريّ. فالمطلوبُ الأساسيُّ، وهذا ما تُتيحُه الحياةُ الديريّةُ بدرجةٍ أولى، أن يكون الراهبُ رسولاً في إطارِه المباشر، في جماعتِه الديريّة.
عاشتِ الرهبانيَّةُ اللبنانيَّةُ المارونيَّةُ روحَ التقليدِ السريانيّ الانطاكيّ بالعزلةِ إلى اللهِ في المحبسة . وهذه ظاهرةٌ تتميَّز بها الرهبانيَّةُ، دون أن تتفرّدَ بها. هي التي تجمع بين حياةِ النّسكِ الديريّ وحياةِ الرسالة، تتميَّز أيضاً بأنّها تُتيح لأبنائها فرصةَ العزلةِ إلى اللهِ في المحبسة. إنّها بذلك حقلٌ خصبٌ تنبت فيه وتنمو دعواتٌ متنوّعة. فكان من بين أبنائها القدّيسون، أمثال شربل مخلوف، حبيس عنّايا، وغيرُه كثيرون. وما زال هذا التقليدُ متواصلاً بشخصِ الحبيس الحالي الأب أنطونيوس شَينا، في محبسة مار بولا التابعة لدير مار أنطونيوس – قزحيّا.
حياةُ العزلةِ إلى اللهِ في المحبسة، هي بإلهام من الروح القدس، ككُلِّ عملٍ يعود إلى خدمة اللهِ والقريب. فالروح يلهم إلى حياةِ العزلة في المحبسة مَن تَمرَّسَ "في خدمةِ المحبّة في الدير"، مَنْ طَحنتْه الحياةُ الديريّةُ الجماعيّة، وصيّرته حنطةً منتقاةً، ومَن تفانى في خدمةِ الإخوةِ، فأحبَّ الجميعَ، والجميعُ أحبّوه! وإلاّ، صارت عزلته في المحبسة هروباً من الحياةِ الجماعيّةِ وامتثالاً لمزاجٍ فرديّ.
هذا وحياةُ العزلةِ في المحبسة تظهر بدورها رسوليّةً في عمقِها: فكما كانت الجموعُ تقصد يسوعَ في القفر (راجع مر 1/35 ؛ لو 4/42)، هكذا يصبحُ الراهب – الحبيسُ في عزاته منتَجعاً ومقصداً تحجُّ إليه الجموعُ، طلباً لصلاةٍ أو لنعمةِ شفاء.
الرهبانيَّةُ اللبنانيَّةُ المارونيَّةُ موهبةٌ في خدمةِ شعبِ الله
"على مثالِ المسيح، لا يمكن للرهبانيَّةِ إلاّ أن تتحسَّسَ آمال شعبِ اللهِ وحاجاتِه الحقيقيّة..." . الرهبانيَّةُ هي من شعبِ اللهِ ولهذا الشعب. فعلى مثال ابنِ اللهِ، الذي صار ابنَ البشر، منهم ولهم، ليُخلِّصَهم، عاشتِ الرهبانيَّةُ سرَّ التجسُّدِ، بأنْ تحسَّسَتْ، على مرِّ العصورِ، آمالَ شعبِها، مقيماً كان أم في بلدان الإنتشار. تنبَّهتْ إلى حاجاتِه، رافقتْه في حلِّه وترحالِه، وما أمكنها إلاّ أن تكونَ واعيةً متطلّباتِه الملحَّة.
أخْذاً بتعليمِ الكتبِ المقدّسة، "أتمَّ آباؤنا الرهبان اللبنانيّون رسالةَ العملِ المقدَّسِ بنشاطٍ كبير، فعادتْ بالخيرِ عليهم وعلى كلِّ مجتمعٍ حَلّوا فيه..." .
بوسعِ قوانينِنا أن تتكلَّمَ على "رسالة العمل" من ناحية، لأنّ العمل الرهبانيّ، على اختلافِ مجالاتِه، إنّما هو تطبيقٌ لتعليمِ اللهِ في الكتبِ المقدّسة، هو فعلُ طاعةٍ للّهِ الذي شاءَ الإنسانَ عامَّةً على صورتِه، عاملاًَ خلاّقاً مثله.
من ناحيةٍ أخرى، لأنّ عملَ الراهب ليس ابتغاءً لمكسب، أو سعياً لجمعِ الأموال وتكديسِها، بل لتحصيلِ ما هو ضروريٌّ لقوامِ حياةٍ يوميَّةٍ كريمة؛ فعملُه كان ينبغي أن يشكِّلَ وجهاً لوقفِ الذات للربّ، غيرَ تاركٍ للمخلوقاتِ المجالَ في إغرائِه والسيطرة عليه؛ عملُه كان ينبغي أن يتَّسمَ بطابعِ المجّانيّة، وعُمقُ المجّانيّة محبّةٌ. كان بوسعِ قوانينِنا أن تتكلَّمَ على "رسالة العمل"، لأنّ آباءَنا، الرهبان اللبنانيّين، اقتنَوا بجدِّهم ما اقتنَوا، أورثوا أحفادهم من الأملاكِ والمقتنياتِ ما أورثوا، "فبعرقِ جبينِهم أكلوا خبزَهم"، وهم " يتعبون عاملين بأيديهم". ولهم أن يردِّدوا بكلِّ حقٍّ آيةَ الرسول: "ما أكلنا خبزَ أحدٍ مجاناً، بل اشتغلنا بالتعبِ والكدِّ ليلاً ونهاراً لئلاّ نُثَقِّلَ على أحدٍ منكم" (2 تسالونيكي 3/8). أخيراً، كان بوسعِ قوانينِنا أن تتكلَّمَ على "رسالة العمل" لأنّ آباءَنا، الرهبان اللبنانيّين، أتمّوا رسالةَ العمل، إذ أنشأوا الأديارَ والمدارسَ في مناطقَ معوزةٍ وفقيرةٍ، بغيةَ مساعدة أهلِها، إن في تعليم أبنائها القراءة والكتابة أو في تعليمِ أبناء المحيط فنَّ الزراعة وما يتبعه. لم يتوخّوا الأرباحَ ولا التجارة، كما لم يحلّوا في المناطق الغنيّة بغيةَ جمع الأموال؛ بل كرّسوا حياتَهم لخدمةِ شعبهم، خصوصاً الفئة الفقيرة منه! وهكذا، صار عملهم "رسالة" وحياتُهم الرهبانيَّةُ تلبيةً لحاجات شعبهم.
لذا، أثمرت أعمالُهم – الرسالةُ، وعادت بالخيرِ عليهم وعلى كلِّ مجتمعٍ حلّوا فيه. بنَوا الأديار، اقتنَوا الأرزاق الواسعة، حازو السمعةَ الطيبة، واغتنوا بثقة الشعب الذي التفَّ حولهم. كلُّ هذا كان بفضلِ روحهم الرسوليّة المخلصة التي فهموها "خدمة". عادت أعمالهم – الرسالةُ بالخيرِ على كُلِّ مجتمعٍ حلّوا فيه: أسهموا بغيرتهم وأعمالهم في ترقية شعبهم، وذلك على مختلف الصُّعد.
"لرسالة العمل" التي قام بها آباؤنا الرهبان اللبنانيّون أبعادٌ عدَّةٌ: هم آباؤنا الرهبان اللبنانيّون الذين علّموا الشعبَ قواعدَ الزراعةِ ودرّبوه على العملِ بها، وكانوا له فيها مثالاً في الحزمِ والإجتهاد. اندفعوا يديرون أيدي العملِ في حراثة الأرض، يغالبون الصعابَ بصبرهم ونشاطهم، حتّى خضعت لهم، فجَنَوا من خيراتها وافرَ الثمار.
وإذا ما أجلْنا النظر على القطاعِ المهنيِّ أو الحرفيِّ في الرهبانيَّة، رأيناهُ زاهراً في كلِّ عصر. فكان من الرهبان البنّاؤون والنحّاتون، والحدّادون، والنجّارون، والحيّاكون، والطبّاعون، والإسكافيّون، والسنكريّون، والمصوّرون، والأطبّاء، والفنّانون. وقد ازدهرت هذه الصنائع والفنون في الرهبانيَّة، واتّسع نطاقُها في الأديار، وتعدَّتها إلى أبناء الشعبِ الذين تلقّنوا، على أيدي الرهبان، أصول الصناعة؛ فكانت لهم ولعيالهم موردَ عيش. وكان الدير يتحوّل، بأشخاصه كافةً وبكلّ أرجائه، إلى حياةٍ نابضةٍ وخليّةٍ ناشطةٍ عاملة ؛ فلا مجال فيه للهامشيّين، أو البطّالين، أو الجوّالة. كُلُّ هذا كان يجعل من حياة الرهبانيَّةِ رسالةً تشعُّ من قلبِ الدير وتغطّي مجتمعاً، تخلق خطّاً، بل مناخاً يوجِّه مجتمعاً ويقوده، جاعلاً من الأديار مواقعَ حضاريّةً ومُلتقى ثقافات.
من أبعاد "رسالة العمل" التي قام بها آباؤنا الرهبان اللبنانيّون هو مجالُ العلم. ومع أنّ الطابعَ الأساسيّ للرهبانيّةِ كان يركّز ويرتكز على الحياة النسكيّة، فالرهبانيّة لم تكن لتُهمل العلمَ وما يرجع إليه من أعمال الرسالة. منذ عهد المؤسّسين، والرهبانيَّةُ، بعدُ في مهدها، لم تُنشِئ ديراً إلاّ وهمَّتْ بإنشاءِ مدرسةٍ بالقرب منه... ولم تكن الرهبانيَّةُ لتُهملَ العنايةَ في ترقيةِ الأجيال الطالعةِ بالعلمِ الصحيح إلى المستوى الذي يتطلّبه كُلُّ عصر. وما جامعة الروح القدس – الكسليك، في جميعِ كلّياتِها وأقسامها وفروعها، إلاّ شاهدٌ لتواصليّة رسالةِ العلمِ، تقوم بها الرهبانيَّةُ تجاه أبناءِ شعبها.
من أبعاد "رسالة العمل" التي قام بها آباؤنا الرهبان اللبنانيّون، هو العمل الرعويّ. إذ لم تُحصَر غايةُ الرهبانيَّةِ في دائرة الحياة النسكيّة، فلقد أوجبت القوانينُ على الرهبانِ القيامَ بأعمالِ الرسالةِ الرعويّة، عندما تدعو الحاجةُ إلى ذلك، إنْ في الوطنِ أو خارجه في بلدان الإنتشار. "ولقد أسهمتْ رهبانيّتنا منذ أُسِّسَتْ، في حملِ رسالة المسيحِ والكنيسةِ إلى العالمِ بشتّآ الطرقِ والوسائلِ الملائمةِ للعصرِ ولحاجات الكنيسة، مع الحرص على إبقاءِ الحياةِ الديريّة الطريقة الفضلى والأساسيّة للحياةِ الرسوليّة، والمدرسة التي يُنشأ ويهذَّب فيها الراهب المرسَل" .
من أبعادِ "رسالة العمل" التي قام بها آباؤنا الرهبان اللبنانيّون، هو الضور للضعيف. إنَّ للرهبانيّة لفتةً خاصةً تجاه شعبِها، ظهرتْ وتظهر أيّامَ المحنةِ والشدّة: يبقى الحدث البارزُ إبّانَ الحرب العالميّةِ الأولى (1914-1918)، فكان أنْ رهنَتِ الرهبانيَّةُ أرزاقها للحكومة الفرنسيّة، مقابلَ إعاناتٍ وفَّرتها هذه الأخيرةُ للشعبِ المنكوب. وراح التاريخُ يتواصلُ خلال الأحداثِ اللبنانيّة الأخيرة، (1975-1990)، حين صار الوطنُ الصغيرُ مسرحاً لاقتتالِ الآخرين والغرباء؛ وما عجز هؤلاء عن الإمعانِ فيه هدماً وتخريباً، سخَّروا به الأبناءَ ةالإخوةَ في الداخل. في هذه الأحداثِ المعاصرة، كما في تلك الحروب الشَرسة، كانتِ الرهبانيَّةُ حاضرةً لشعبها، بأشخاصِها وأديارها ومالها.
هذا، ولفتةُ الرهبانيَّةِ الخاصّةُ تجاه الضعيفِ من شعبِها ليست ظرفيةً ولا آنية؛ فما توقّفت عند المحنة العابرة، مهما طالت، وما انحصرتْ فيها، بل تعدَّتها وتتعدّاها إلى الحياةِ اليوميّة. هذا ما يتجلّى في القطاع الإستشفائي الذي ترعاه الرهبانيَّةُ بجدارة، إنْ على صعيدِ المُعاقِ أو على صعيدِ المريض واليتيم. بهذا، يتأكَّد مرّةً أُخرى أنّ الرهبانيَّةَ اللبنانيَّةَ المارونيَّةَ هي أصالةٌ إنجيليّة، إذ تجسِّد في الواقع أروعَ صفحٍ في الإنجيل: "...لأنّي جعتُ فأطعمتموني، وعطشتُ فسقيتموني، واغتربتُ فآويتموني، وعريتُ فكسوتموني، ومرضتُ فعدمتموني، وسُجنتُ فزرتموني..." (متى 25/34-40).
ممّا تقدّم، نَخلُصُ إلى القول: إنَّ وجودنا الرهبانيّ هو، بحدِّ ذاتِه، ضرورةٌ كنسيّةٌ واجبةُ الوجود. فكنيسةٌ، لا حياةَ رهبانيّة فيها، إنّما هي كنيسةٌ فقيرة، تعوزها أهمُّ حاجاتها. والحياة الرهبانيَّةُ الديريّة إنّما هي، في عمقها وجوهرها، كنسيّة رسوليّة. إنّها إشعاعٌ إنجيليّ ساطعٌ يلفُّ الكونَ بأنوارِه: هكذا القديس شربل في ديره وصومعته وحقله، هكذا الطوباويّةُ رفقا في حياتها الخفيّة المستترة وراءَ جدرانِ حصنها الديريّ، وهكذا المكرَّم الأب نعمة الله كسّاب الحردينيّ في عيشه النسكيّ الديريّ ونشاطه الإداريّ. وتالياً، فالشهادةُ للمسيحِ، داخلَ الدير، تبدو حاجةً أساسيّةً من حاجات الكنيسة، بل ضرورةً ماسّةً لقوام الكنيسة.
والكنيسةُ المارونيّة إنّما هي في جذورِها ومنطلقها جماعةٌ رهبانيّة. لقد تكوّنت شخصيّتها ونَمَت في ظلال الدير، في حماه وجواره. من دير مار مارون انطلقتْ... وراحتْ، عبر رحيلِ اضطهاد، تستظلُّ الأديار، وصولاً إلى الوادي المقدّس في لبنان؛ وهكذا راحتْ تُبنى. بهذا الوعي لذاتِها أطلّتِ الكنيسةُ المارونيَّةُ على العالمِ وتفاعلت معه. به عُرِفت، وبه رسمت لها خطّاً. فإن هي أهمَلتْ هذا البُعدَ المكوِّن لذاتِها أو عنه انحرفت، أضاعت هويتها وانهارت. هذا البُعدُ إنّما هو قدرها في الوجود ومسؤوليتها، منذ أن شاءتْها العنايةُ في الوجود. وتالياً، يظهر الدير، عبر تاريخِ الكنيسةِ المارونيَّةِ وبالنسبةِ إليها، ضمانةً وجوديّةً وكيانيّة. هو قوّتُها وميزانُ قواها. فإن هو انحطّ وتقهقر، وقعت هي في بلبال. وإن هو حزم أمره، اشتدّت هي وتراصّت صفوفُها. فهو هذا البُعد بالذات الذي يجعل من وجودِنا الرهبانيّ قضيةً كنسيّةً، من حيث إنّ رهبانيتَنا هي تواصليّةُ تراثٍ رهبانيٍّ نسكيٍّ عريق.
تنطوي هذه الخاتمةُ على رؤيةٍ مستقبليّة، تتلخّصُ بما يلي:
أن تعيَ الرهبانيَّةُ باستمرارِ حقيقتِها، من حيث إنّها قضيّةٌ ذاتيةٌ، كنسيّةٌ ومجتمعيّةٌ، بأن تبقى وفيةً لأصالتها الإنجيليّة، لجذورها التاريخيّة وهويّتها التي تتحقق وتتثبّت مع حركة التاريخ التصاعديّة. هذا يعني أن تقومَ بقراءةٍ صحيحةٍ لعلامات الأزمنة، مستلهمةً في ذلك روحَ الربِّ العاملِ في الكون والتاريخ، فتواكب الزمنَ بدون تحجّرٍ ولا ضياعَ في الهويّة.
أن تُعدَّ رهباناً – قادةً، أصحابَ قضيةٍ، يحملون المشعلَ ويتناقلون الشعلةَ، وتعمل على تنشئة "رهبان فوق كلِّ حدود" تنشئةً واعيةً بعيدةَ المدى، مقياسُهم شموليّةُ انتماءِ الربِّ المسيحِ ومحبّته، يصحُّ فيهم ما قيل في المسيحيين الأوَّلين: " كلُّ أرضٍ غريبةٍ وطنٌ لهم، وكلُّ وطنٍ أرضٌ غريبة".
|